مجلة أبجدية الياسمين للإبداع الأدبي

مجلة أبجدية الياسمين للإبداع الأدبي
رئيس مجلس الادارة فاطمة الفاهوم

الاثنين، 8 سبتمبر 2025

قصةُُ خيمة/ بقلم امل ابو سل

 قصةُُ خيمة


خيمةٌ صغيرة، هشة ٌ رثة، ووتدٌ أقوى بصبرهم من فولاذ .
عائلةٌ كبيرة وعددٍ من أفرد، أمٌ وأبٌ، أبناءٌ وبنات .
يكبُرهم عبود ابن العشرين، بملامحه خمسون من الشقاء.
عائلةٌ يأويها حيّزٌ صغيرٌ من الأرض، وبين خيمةٍ وخيمة
شبرٌ من المكان، والكمُ من الأحزان، ربما هو الزمن والفقد
بزمان الطغيان .
تغريد وحنان يصغرن عبد الرحمن، الفارس المقدام ببعض أعوم.
الأمُ والوجع ينبضُ بمحيطها، وقلبٌ يتقطّع على رضيعتها هيام .
تصرخ و تصرخ وفمها الندي شاخصٌ يتضرع لصدر أُمٍ جفّ لَبنها،
الصحراء قاحلة، يملؤها الموت من قصفٍ أعمى، لا يُميّز بين صغيرٍ
وكبير ولا حتى معاناة الجد والجدة، إنّها عائلةٌ من غزة العزة .

يعيشون البؤس بكلّ ما تعنيه الكلمة من عناءٍ وشقاءٍ وهوان.
في تلك الخيمة الصغيرة، الكبيرة بالوجع والآهات، يفترشون
الحصى ربّما كان ليّنٌ أكثر من قلوب البشر .
ويتلحفون رحمةً من الله بدعاءٍ سخيٍ هو غذائهم والعشاء.
شُقّ الضوء مُبعِداً الظُلمة، هم أحياءٌ رغم قسوة المكان والغُمة.
الأبُ يحتضن خوفه، والخوف يُنازعه على قلبه، ينازله بكلّ
قوة، والفوز لملامحه تظهر مطمئنة للزوجةِ والأبناء.

زهراء تنظر لزوجها متسائلةً متوسلة لكن بصمت، ألا من
لُقيمةٍ نسد بها الرمق؟ والأمعاء خاويةٌ تتلوى من شدة الغضب .
لم تُكمل كلامها وطائرات المساعدات تحوم فوق عنان السماء.
فجّ الزوج والأب وكأنه نورٌ من قلب الغسق، يتعكز على جوعه
ليالٍ طوال، ليأتي للعائلة بكيسِ طحينٍ، ولقمة تسند الابدان،
لكن على وجهه ألفُ سؤالٍ وسؤال، ملامحٌ لا تُفسر، وبسمةٌ
صغيرة شقت من شفاهه الدماء، أجل هو الجفاف، والتعطش لجرعة ماء، ويراوده السؤال مقاطعاً ابتسامته، هل سيعود
لخيمته كجاره همام .

أجل تنفس الصباح من تعسعسِ ليله، ككلّ صباحٍ وزّعت المهام للسعي على الرزق، والوقوف في طوابيرٍ للحصول على الطعام، ربّما كِسرة خُبزٍ وجرعة ماء، ذهب عبد الرحمن وبيده قلنٌ لجلب الماء، ومسافة تبعده عن الحياة أمتار، والوان الموت الأحمر يُحيطه من كل الجهات، ربما قذيفة، أو صاروخ العلم عند الله، تعددت الأسباب والمصيرُ واحد .

أما تغريدٌ وحنان، فقد ذهبن لجلب الطعام، ربّما تكيّة أرُزٍ وبازلاء،
أو طبقُ عدسٍ يقولون عنه لحم ومآدم الفقراء .
لحظات وعلى مسامِعهن دويُ انفجار، قُصفت الخيام، وخيمة أمهنّ حُرقت بما فيها والطفلةُ الرضيعةُ هيام، صوت صراخٍ لم يُكمله النواح بعد. انتهى كُلّ شيء كنهايةِ كلّ شيء في الخيام .

تغريد وحنان أجل حصلن على بعض الطعام، بعد معاناةٍ والزحام، وصوت الصراخ تخلله سهم الرياح المسمومة، وقرع طبلة أُذن تغريد وحنان، دُلقّ الطعام منهن، أصبحن لطيماتٍ بعد الأن .
قام بالمهمة طفلٌ يسعى مثلهن، جمع الطعام مع التراب ولا يُبالي ربّما له أختٌ، أمٌ وخيمة كتغريدٍ وحنان .

عادت تغريد وحنان، ووجههنّ لملم بعض الغُبار الحمراء، عٌدن بدون طعامٍ ولا حتى لئمٌ للجراح، سويعات من الصراخ وكلٌّ
يبكي ذويه، قاطع بكائهن صراخٌ من بعيد، سكت الدمع والبؤبؤ متوجسٌ هنا وهناك، أتت أكياس الطحين محمّلة لكن بالأشلاء.

أجل عاد الأبُ وغيره ممن ذهبوا لجلب الطحين لكنّه كيسٌ أبيض ملون بالأحمر، كلوحةٍ رُسمت بدماء الشهداء، أتى والدُ الفتيات محمولاً على الأكتاف، صُرّ مع الوجع بناته تغريد وحنان .

لم يعد عبد الرحمن الأخ والسند لتغريد وحنان، عانقن بعضهنّ والدمع يبلّل منهنّ الثياب، تركن الحزن واذا بصوت ينادي هناك أشلاء على الطُرقات، لم يسمعن كلمة أشلاء، إنها لوعة اللقاء
بدّلنها بأحياءٍ على الطُرقات، نظرن لبعضهنّ بقطعةِ فرح، ربّما
هو أخينا عبود، لكن بصمتٍ رهيب تكلمت الأعين، هرعن بسرعة البرق، وما أن وصلن واذا بعبود مقطعٌ كأبيه أشلاء، ويذهب ربيع عبود مع قافلة الشهداء .

لم تصرخ تغريد بعد الآن فقدت شقيقتها حنان من جوعٍ وقلة الطعام . بقيت تغريد تراقب الدمار الشامل عن كثب، ولم تعد تبحث عن ماءٍ وكلأ. تغريد تناجي وتكلّم رماد الخيمة كانت لها السحابة والغيمة، وبصوتٍ خافت تنادي والدها وأخيها عبود،
هيا عُد يا أخي، الغيمة محملة بالمطر وسنشرب حتى الارتواء،
لا قلن ماءٍ ولا كفن، وسنزرع باب الخيمة بالوعد والأمل،
الأ جواب، صحوةٌ وتعاود تغريدٌ البكاء .

ويأتي مرةً أخرى الشتاء، ببرده القارص، لكن هذه المرة خالٍ من
العائلة، تغريد وحيدة، وليست الوحيدة الفاقدة للأحباب.
رعدٌ وبرق ومطر يُغرق الخيام، والرياح تقلع ما تبقّى من الهمم،
الموت قادم لا محالة، إما بقصفٍ أو بحرقٍ يتناوب على الخيام
أو ببردِ شتاءٍ زمهريرٍ يعلو القمم، و جوعِ يقرص الأمعاء الخاوية .
ويعود القصف على الخيام، بدون استثناء لطفلٍ ولا شيخٍ ولاامرأة.

وتلحق تغريد عائلتها وترتقي شهيدة بقذيفة يتبعها صاروخ.
قُصف مربعٌ كامل، بكلّ أسلحة الدمار الشامل المحرمة دولياً .
انتهت قصة عائلةٍ وخيمة، وحُذفت من السجل المدني، وستبقى
القصة ذكرى بأعين الأحياء إن بقوا .

لقد تنوع وتفرد الصهاينة بالقتل، والدمار على مرئى من أعين العالم، لا أعلم هل تعودوا المشهد، أم تعودوا الذل والخذلان،
أم أنهم ملّوا الانتظار . سؤال يطرح نفسه على الساحة، هل ستحرر البلاد بالصمت أو بالشجب، دون صدٍٍّ ولا رد ؟.

قصة خيمة كآلاف القصص، هنا غزة العزة .
حرب الاستنزاف الأخيرة على غزة شهر ١٠/عام ٢٣/ ٢٤/ ٢٥ /
وما زالت مستمرة .

بقلم امل ابو سل ٢٢/ ٧/ ٢٠٢٥




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق